محمد بن محمد ابو شهبة
245
المدخل لدراسة القرآن الكريم
على بينة من ذلك سأذكر لك قصة ؛ ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ قال ابن الزبعرى : واللّه لو وجدت محمدا لخصمته قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم ، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : إنهم إنما يعبدون الشيطان ، ومن أمرهم بعبادته ، فأنزل اللّه سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ( 101 ) . وأنزل اللّه أيضا وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) « 1 » . وتأمل في قوله سبحانه خَصِمُونَ وهل يجيد الجدل الجاهل الساذج وهل من يلقي هذه الشبه ولو كانت بواطل يكون ساذجا لا يسمو تفكيره إلى المعقولات 2 - إن اللّه سبحانه أقسم في القسم المكي بالمعقول كما أقسم بالمحسوسات فمن ذلك قسمه بالقرآن في قوله يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) وأقسم بالملائكة في قوله وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ( 1 ) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ( 2 ) الآيات ، وأقسم بالنفس الناطقة فقال : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشمس : 7 - 8 ] ، وأقسم بحياة الرسول في قوله لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) [ الحجر : 72 ] وأقسم بذاته تعالى فقال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) [ الحجر : 92 ] فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) [ المعارج : 40 ] وأقسم بما لا يقع تحت الحس والمشاهدة فقال فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) [ الحاقة : 38 - 39 ] . وأقسم بالزمن فقال : وَالْعَصْرِ ( 1 ) وهكذا يتبين لنا أن اللّه أقسم في القسم المكي بالمعقولات كما أقسم بالمحسوسات . 3 - إن القسم بهذه الأشياء لا لكونها محسوسة ، وإنما هو تنبيه إلى ما تشتمل عليه من إحكام في الخلق والصنعة وما تنطوي عليه من أسرار
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ج 17 ص 37 - 38 .